ينظر إلى التنمية المجتمعية على أنها عملية طوعية ونتيجة نوعية، يطلقها المجتمع ويحفز الأطراف الأخرى على المشاركة فيها، لها مرتكز محلي ومنعكس وطني وعالمي في عالم متصل، وهي انتاج تراكمي، تكاملي، تشاركي من خلال تطوير وبناء قدرات الموارد والأصول المتوفرة في المجتمعات المحلية وربطها عبر العمل الجماعي المشترك، لتوليد الرأسمال المجتمعي، وتحسين نوعية الحياة فيزيائياً، اقتصادياً، اجتماعياً، سياسياً، ثقافياً، بيئياً.

تتولد تلك العملية وتتطور ضمن الحوامل التنموية، التي تتنوع أشكالها من مبادرة إلى مشروع ريادي إلى مركز مجتمعي حتى تصل إلى مستوى مؤثر في صياغة السياسات العامة وصناعة السلام واستمراره، وهي بالتعريف فضاء تفاعلي لطاقة اجتماعية، مُحفزة للمبادرات والحوارات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية والسياسية، تركز على إطار الإدارة المحلية واستثمار الرأسمال المجتمعي المتولد ضمنها، من خلال رصد الموارد الموجودة (وتطوير قدراتها) بما فيها بناء فرق العمل، تحديد الإمكانات الكامنة، وفهم التحديات، بناء شبكات وآليات حل تؤسس لنظام مرن، يوازن تباين قدرة مكوناته ويطورها حسب الظروف المحيطة، تترابط لاحقاً تلك الفضاءات، وتحسن القدرة على التوقع والاستجابة من أجل نوعية حياة أفضل على المستوى المحلي، الوطني وأبعد.

من جهة أخرى، تعاني عملية إعادة التنمية عادة من فجوة بين البنى المحركة للتنمية (الحوامل التنموية المجتمعية) وآليات وأطر المراقبة والمحاسبة الممكنة، وتزداد أهمية رسم ملامح أولية لهذه الفجوة وبناء ورصد مؤشرات لها ضمن الظروف الحالية، لجهة تحسين عملية التشاركية وعدم إقصاء السوريين/ات، بل ومساعدتهم في إعادة ترتيب تموضعاتهم ضمن جهود تصالحية، ومعالجة التحديات المستمرة في التشكل على طول الطريق.

يلعب الرصيد التنموي المتشكل من خلال تفاعلات مكتملة أو ممكنة، دوراً أساسياً في بناء فهم لمكونات سلسلة القيمة للعملية التنموية، وذلك من مصادر بيانات متداولة بين أيدينا بشكل يومي، وتحضير مساحات مشتركة لعدد مستمر في التزايد من الحوارات المجتمعية علها تمتد لتشمل كل الأطراف الفاعلة، من المؤسسات الحكومية وبيروقراطيتها (الإيجابية والسلبية)، المجتمعات المحلية ورأسمالها المجتمعي (الواعي لنفسه أو قيد التشكل)، القطاع الخاص كلاعب اقتصادي بمسؤولية اجتماعية، والجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني بخبراتها وتحالفاتها التي بنتها ضمن المسموح في ظروف الحرب، والإعلام كأحد الشركاء الأساسيين لرصد الظواهر والفجوات وتطوير أدوات متنوعة لقياسها، وتحديد عناوين ومناطق تدخل تنموية ممكنة ولازمة في كل مرحلة من المراحل، وأخيراً قد تمنح العملية فرصة مقارنة ومقاربة للأوضاع بين المناطق واستعادة التوازن بالحد الأدنى على الأقل من حيث الجهود المجتمعية والدروس المستفادة.

إن مراكمة قياس هذا الرصيد التنموي بشكل دوري وتقديمه للأطراف الفاعلة، سيفتح مساحات لاستثماره بالشكل الفعال، وإعادة بناء سلاسل القيمة اللازمة له، سيكون مدخل جيد لتحسين نوعية الحوارات وبناء الحجج المساعدة لذلك. كما سيحسن من متوسط الذكاء المجتمعي للعملية التنموية، متجاوزاً عملية بناء المعرفة الذاتية والانتقال من أنا العارف إلى نحن العارفين، ويخرجنا من عملية الانتقادات قصيرة الأمد إلى عملية واعية قادرة على المناورة مع المتغيرات السريعة وتجاوز مخاطرها ولاسيما في بيئة تسيطر الحرب وتبعاتها على المحيط العام لمجتمعاتنا المحلية.

كما سيساهم في صياغة المصطلحات التي ستشكل الخطاب التنموي للمجتمع السوري في عملية إعادة التنمية، ويساعد على صياغة الفعل ضمن الواقع الاجتماعي القادر على التماهي مع تنوعاته، وسيؤسس لأنشطة ومبادرات تعتمد الجدوى الاقتصادية المجتمعية، وتعريف الممول الوطني للعملية التنموية، حتى الوصول إلى مكونات واضحة مترابطة ضمن النظام الإيكولوجي التنموي الوطني.

قراءة مباشرة

لماذا رصيد تنموي؟

سنوات طويلة من الحرب السورية بأبعادها المحلية، الوطنية، الإقليمية والدولية، وضعت الرأسمال المجتمعي السوري وموارده الموزعة في الجغرافيا السورية وخارجها في مواجهة تحديات كبيرة ومركبة، حيث تباينت درجات اختباره في فترات زمنية متفاوتة، وجغرافيات وظروف متنوعة، مما أثر على طريقة تطوره وقدرته على التجاوب مع المرحلة القادمة.

تراكمت تلك التحديات الجديدة مضافة إلى القديمة، وأسست لواقع اجتماعي مختلف ومعقد، ولكن بقيت المرونة المجتمعية التي أبدتها المجتمعات المحلية السورية، إحدى العوامل الحاسمة للنجاة في هذه الحرب الطويلة، ويتم التعويل عليها لتجاوز مرحلة لعبة الانتظار الجديدة، عبر عملية إعادة التنمية كمحرك أساسي لصياغة واقع اجتماعي أكثر قدرة على التفاعل مع محيطه، في عملية طويلة الأمد، ممهدة ولازمة وملازمة لعملية إعادة الإعمار بأوجهها المتنوعة، ليس لجهة جني المكاسب بل لتقليص المخاطر المتأتية عنها في حال حدثت أو لم تحدث، واستعادة زمام المبادرة من التحول من فكر تقديم المساعدات الإنسانية إلى فكر البناء الذاتي المستند على موارده المجتمعية والمفتوح للتعاون على العالم أيضاً.

وفي محاولة لفهم واقع اعادة التنمية في سورية واستشراف مآلاتها، يأتي هذا المنتج ليحاول ربط بعض المؤشرات وتقديمها كمصدر مفتوح ومُتاح، علّه يكون مفيداً في خلق وتنسيق معرفة بين المواطنين والمواطنات، تمكنهم من العمل معاً انطلاقاً من أرضية معرفية مفتوحة وقابلة للتطوّر. يتمّ رصد هذه المؤشرات والآراء بشكل دوري يساعد على رؤية أوضح لتمكين السوريين من خيارات أكثر.

يسعى “رصيد تنموي” لرصد علاقات وأطراف الجهود التنموية وتفاعلاتها وثقلها في مقابل التكاليف الباهظة الماديّة والمعنوية التي يدفعُها السوريون اليوم وفي كلّ مكان. ويبقى “رصيد تنموي” منتج مفتوح للتطوير والإضافة من خلال استعماله من كل الشركاء ليصبح مرافقاً لعملهم اليومي ومساعداً لفهم القادم وليس فقط قراءة ما مضى.

Sign In

Register

Reset Password

Please enter your username or email address, you will receive a link to create a new password via email.

%d مدونون معجبون بهذه: